![]() |
| قيمة التسليم | 02. أنواع منزلة التسليم |
أنواع منزلة التسليم
التسليم لله نوعان: "تسليمٌ لحُكْمِهِ الديني الأَمْرِيِّ. وتسليمٌ لحُكمه الكوني القَدَرِيّ.
الأول: تسليم لحكمه الديني الأمري: فهو تسليم المؤمنين العارفين. قال تعالى: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) {النساء:65}.
الثاني: التسليم للحكم الكوني: فَمَزِلَّةُ أَقْدام، ومَضِلَّةُ أفْهام. حَيَّرَ الأنام، وأَوْقَعَ الخصام. وهي مسألةُ الرضا بالقضاء".( مدارج السالكين، (2/145-146) )
النوع الأول: التسليم لحكم الله الديني الأمري
.إن التسليمَ لله من أخصِّ أركان الدين، وبه يَجُوزُ العبد الصراط، وتثقُل به الموازين، وهو من أوجب الواجبات، وأعلى القُرُبات. فلذلك كان السلف -رحمهم الله- لا ينازعون ولا يخوضون في أمر الله ونهيه، ولا يجادلون في تشريعه، بل كان قولهم: «مِنَ اللهِ الرسالةُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التسليمُ».( أخرجه البخاري في صحيحه، عن محمد بن شهاب الزهري، (9/154)، وفي خلق أفعال العباد، (ص76)، والخلال في السنة، (3/579)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة، (1/487) )
وقد ذكر أبو جعفر الطّحاويّ ـ رحمه الله ـ أن قَدَمَ الإسلام لا تَثْبُتُ "إلا عَلَى ظهرِ التسليم والاسْتسلام" ( شرح العقيدة الطحاوية، (1/231) )، بل "إن مبنَى العبودية والإيمان بالله، وكتبه، ورسله على التسليم، وعدمِ الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر، والنواهي، والشرائع، ولهذا لم يَحْكِ اللهُ عن أمةِ نبيٍّ صَدَّقتْ نبيها وآمنتْ بما جاء به، أنها سألَتْهُ عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، ولو فعلتْ ذلك لما كانت مؤمنة ًبنبيها، بل انْقادتْ، وسَلَّمت، وأذعنت، وما عرَفت من الحكمة عرفَتْهُ، وما خَفِيَ عنها لم تتوقفْ في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلتْ طلبَهُ من شأنِها"(الصواعق المرسلة (4/1560))
فلذلك توعدَ الله في كتابه من يخالفُ اختيارَ الله وأمره، فقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ (الأحزاب:36)( سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فانكحيه، فقالت: يا رسول الله أؤمر في نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ....) إلى قوله (ضَلالا مُبِينًا) قالت: قد رضيته لي يا رسول الله مَنكحًا؟ قال: "نعم" قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي.الطبري (20/271) ).
فهذه الآية تدلّ على أن أمرَ اللَّه وأمرَ رسوله موجِبٌ للامتثال، مانعٌ من الاختيار، مُقتضٍ للوجوب، أي: "لا ينبغي ولا يليقُ، ممن اتَّصف بالإيمان، إلا الإسراعُ في مرضاة الله ورسوله، والهربُ من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة ﴿ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ﴾ من الأمور، وحتَّما به وألزما به ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: الخِيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله".( السعدي (ص665) )
