![]() |
| قيمة التسليم | 06. التسليم والانقياد في حياة نبي الله ابراهيم |
التسليم والانقياد في حياة نبي الله إبراهيمُ
ومن الأنبياء -عليهم السلام- الذي تجلَّى فيه التسليمُ في أسمى معانيه وأعلى مقاماته، إبراهيمُ الخليل الذي سلم أهله إلى ربه، ووضعهم في وادٍ دون وجود لعَصَبِ ومُقومات الحياة."وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، مكان البيت العتيق، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال:
﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾{إبراهيم:37}" ( أخرجه البخاري من حديث ابن عباس، برقم: (3364)، في كتاب أحاديث الأنبياء، (4/142) )
فدعا اللهَ لأهله وولده، وجعلت أمُّ إسماعيلَ تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ويَدَرُّ لبنُها على صبيها.
ومن الابتلاء والاختبار الواضح الجلي لإبراهيمَ - عليه السلام - أَمْرُ الله له بذبح ولده فسارع مستسلما لأمر الله تعالى منقادا لطاعته ( تفسير ابن كثير، (7/ 27) ) قال سبحانه وتعالى مبينًا هذا الحدث العظيم:
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) ﴾{الصافات:101-107}
فإبراهيم - عليه السلام - لما وهبه الله إسماعيل عليه - السلام - "أحبه حبا شديدا، وهو خليل الرحمن، والخُلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقت شُعبة من شُعَبِ قلبه بابنه إسماعيلَ، أراد تعالى أن يُصفيَ وُدَّه ويختبرَ خُلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبُّه حبَّ ربه، فلما قدّم حبَّ اللهِ، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه".(تفسير السعدي، (706) )
فإبراهيم - عليه السلام - "تلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب. ولكن في رضًا كذلك وفي يقين...إن إبراهيم يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادا، وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعا، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عِيانا.
لقد أسلما، فهذا هو الإسلام. هذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة وطمأنينة ورضًا وتسليم، وتنفيذ.
إنما هو الاستسلام الواعي المتعقِّل القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون، لا بل هنا الرضا الهادئ المستبشر المتذوق للطاعة وطعمِها الجميل! وهنا كان إبراهيم وإسماعيل قد أديا، كانا قد أسلما، كانا قد حققا الأمر والتكليف ولم يكن باقيا إلا أن يُذبحَ إسماعيلُ، ويسيلَ دمُهُ، وتَزْهَقَ روحُه.. وهذا أمرٌ لا يعني شيئا في ميزان الله، بعد ما وضع إبراهيم وإسماعيل في هذا الميزان من روحهما وعزمهما ومشاعرهما كل ما أراده منهما ربهما.
كان الابتلاء قد تمَّ والامتحان قد وقع. ونتائجه قد ظهرت. وغاياته قد تحققت. ولم يعدْ إلا الألم البدني، فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تُكِنُّهُ عن الله أو تَعِزُّهُ عن أمره أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فَلَذَةُ الكَبِدِ، ولو كانت هي النفس والحياة.
(إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، أَيْ هَكَذَا نَصْرِفُ عَمَّنْ أَطَاعَنَا الْمَكَارِهَ وَالشَّدَائِدَ وَنَجْعَلُ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطَّلَاقِ: 2- 3].( تفسير ابن كثير ، (7/ 26) )
