أنواع منزلة التسليم
النوع الأول: التسليم لحكم الله الديني الأمري
القرآن الكريم ورد فيه العديد من الآيات التي توجه المؤمنين إلى وجوب تحكيم الله ورسوله، منها قوله تعالى:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ {النساء:65}
سبب نزول الآية السابقة: "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ؟ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ: «أَسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ»، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] "{النساء:65}
أخرجه البخاري من حديث عبدالله بن الزبير ، برقم: (2359)، في كِتَاب المساقَاةِ، بَابُ سَكْرِ الأَنْهَارِ، (3/111)، ومسلم، برقم: (2357)، في كتاب الْفَضَائِلِ، بَابُ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ صلى الله عليه وسلم ، (4/1829).
قوله تعالى : ( فلا ) أي : ليس الأمرُ كما يزعمون أنهم مؤمنون ثم لا يَرْضَوْنَ بحكمك ، ثم اسْتأنف ( ص: 246 ) القسَم ( وربك لا يؤمنون ) ويجوز أن يكون ( لا ) في قوله ( فلا ) صلة ، كما في قوله (فلا أقسم ) حتى يحكموك : أي يجعلوك حَكَمًا ، ( فيما شجر بينهم ) أي : اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حُكْمُهُ ، ومنه الشَّجَرُ لالتفاف أغصانه بعضها ببعض.
( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ) قال مجاهد : شَكًّا ، وقال غيره : ضِيقا ، ( مما قضيت ) قال الضحاك : إثما ، أي : يأثمون بإنكارهم ما قضيتَ، ( ويسلموا تسليما ) أي: وينقادوا لأمرك انقيادا.( البغوي (1/658) )
﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾{النور:51}
يقول تعالى ذكره: " إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلى حُكم الله وإلى حكم رسوله، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وبين خصومهم، ( أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا ) ما قيلَ لنا ( وأطعنا ) مَن دعانا إلى ذلك. ولم يُعْنِ بـ ( كَانَ ) في هذا الموضع الخبرَ عن أمرٍ قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيبٌ من الله الذينَ أُنـزلت هذه الآية بسببهم، وتأديبٌ منه آخرين غيرَهم.
وقوله: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) يقول تعالى ذكره: والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكمَ بينهم وبين خصومِهم ( أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) المفلحون يقول: هم المنجِحون المدركون طِلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جناتِ الله ". ( تفسير الطبري، (19/205-206) )
وفي هذه الآية "تعليمُ أدب الشرع على معنَى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا، ونصب القولَ على الخبر واسمه في قوله تعالى: أن يقولوا سمعنا وأطعنا، يعني سمعنا الدعاءَ وأطعنا بالإجابة. وأولئك هم المفلحون".( تفسير البغوي، (3/424) )
